تابعنا على جوجل بلس

البحث

انظر… باحترام إلى كل امرئ تراه

” نعمة مدهشة كم كان عذباً ذلك الصوت الذي أنقذ بائساً مثلي فقد كنت مفقودا ذات يوم، ولكني الآن وجُدت وكنت أعمى، ولكني الآن أبصرت” . -جون نيوتن.” من قصيدة Amazing Grace هذه القصيدة التي تعود إلى القرن الثامن عشر تبدو لي كأنها حقيقة عميقة. لقد كان ” جون نيوتن” الذي ألف كلمات هذه القصيدة، تاجر رقيق، وقد أدرك في النهاية بعد صدمة عنيفة أن حمولته الآدمية كانت مليئة بأرواح أشخاص وليس مجرد بضائع تباع. إنني لا أقارن نفسي ب ” نيوتن” من ناحية ممارسة تجارة شريرة وإن كانت شرعية. (فمجال الدعاية والإعلان قد يستغل الناس من خلال تشجيعهم على شراء أشياء تافهة وربما غير صحية، ولكنه لا يقارن بأي شكل من الأشكال باستعباد البشر).

ولكنني أدركت أن كل شخص التقيت به في حياتي كان يستحق أن يُرى لكينونته وليس لكونه هدفاً جاهزاً ليباع له منتج إذا ما تمكنا من جعل هذا المنتج براقا بإضفاء الأهمية الكافية عليه. في سنوات نشأتي في نيويورك، قيل لي: ” تجنب التواصل البصري” . فلم أكن أنظر أبدا إلى الأشخاص الذين يبدو أنهم من أعراق أو طبقات أو خلفيات مختلفة عني.
وكنت أتجنب مترو الآنفاق، فقد كان من المستحيل تجنب التلامس البدني عند الاقتراب الشديد من هؤلاء الذين أعتبر أنهم لا يستحقون التطفل على منطقة الراحة الخاصة بي. لقد كنت أرتدي نظارة سوداء وكنت أتمنى ألا أرى أو أتواجد إلا مع الأشخاص الذين يشبهونني. لقد كان العالم الذي نشأت فيه مميزاً وحصيناً إلى درجة أن أبنائي أنفسهم يجدون أنه من الصعب تخيل مدى عزلتي عن ” العالم الواقعي” . وقد تحفز ميلي إلى التواجد مع الأشخاص الذين يشبهونني بتعليمي في جامعة ييل. وكان كل طلبة جامعة ييل في أيامي من الذكور، وكان معظم الطلاب ينتمون مثلي إلى مجموعة الأنجلوساكسونيين البيض، وكنا جميعاً من ذات الخلفية الدينية، التي أسست مدرسة باسمها في القرن الثامن عشر. اليوم، أصبحت ييل مكاناً مختلفا يكتظ بأناس من جميع أنحاء أمريكا والعالم من كل جنس وعرق ودين وخلفية اقتصادية. قد يبدو الأمر غريباً بالنسبة للقراء الشباب اليوم، ولكن وقت أن كنت في ييل، كان يقال لنا، ضمنياً وفي بعض الأحيان صراحة، إننا كن مجموعة مفضلة. مجموعة من النخبة. مرة أخرى، إن فكرة أن تكون جزءاً من مجموعة ” النخبة ” قد أصبحت منبوذة بصورة عامة، ولكن في أيامي، كانت هذه الفكرة شيئاً يستحق أن تفتخر به. وذاد شعوري بأنني فوق البشر حين التحقت بشركة جيه. والتر ثومبسون، وكانت الشركة تطلق على نفسها جامعة الدعاية والإعلان، وكانت أروقة الشركة ممتلئة بخريجي رابطة اللبلاب. لقد كنا نشغل مكاتب فخمة في أعلى مبنى جرايبار، وكانت الأبواب مصنوعة من القضبان الحديدية يدوية الصنع بدلاً من الأبواب العادية؛ وعلى الحوائط عُلقت أعمال أصلية ل” بيكاسو” و” شاجال” .
كنا نعمل بعيداً عن جلبة محطة جراند سنترال، وكان دورنا هو أن نحكم على الآخرين ونحدد قيمتهم، وقد علمنا أنفسنا وغيرنا الحكم على الأشخاص وفقاً للتصنيف الديموجرافي، وكان الأشخاص الموسرون الشباب شديدو التهذيب حسنو المظهر هم مجموعتنا المفضلة المستهدفة. بعبارة أخرى، لقد أمضيت معظم سنوات حياتي في الحكم على الأشخاص وفقاً لمظهرهم وليس وفقاً لكينونتهم. لقد كنت أقف حارساً مشهوداً على بوابة إدراكي الخاص لمعنى الاستحقاق إنني أشكر الله على اقتلاعي من تلك الحياة العمياء. لقد أدركت الآن أن ذلك الفعل كان تدخلاً إلهياً، أحمد الله عليه. تماماً مثلما تقول القصيدة: ” لقد كنت أعمى ولكنى الآن أبصرت” لقد كنت أعمى لو أنني لم أفصل -طردت خارج نادي الدعاية والإعلان ذلك- لما كنت أبصرت العالم المدهش الموجود وراء العصابة التي كنت أرتديها على عيني، ولكن هذه النعمة الإلهية والفرصة المتاحة للبدء في رؤية الناس عن كثب بدلاً من رؤيتهم باعتبارهم صوراً ممثلة لطبقة أو عرق معين لم تكن ممكنة بالنسبة لي لو أنني لم أنظر إلى ” كريستال” بحق حين نظرت هي لي. فرغم اختلافها عني في النشأة والتعليم والعرق والسنين، حين تحدثت إلى، إلا أنني نظرت إليها بحق، وحين سألتني عما إذا كنت راغباً في الحصول على وظيفة، فإنني انتزعت عصابة عيني، ونظرت في عينيها ورأيت إنسانة طيبة وذكية وقوية قد تقدم لي يد العون. وقد أنقذت هذه النظرة حياتي. وبالمثل، فقد نظرت ” كريستال” إلى كياني كإنسان. وفي يوم العمل الأول، حين كنت أقف متجمداً من الخوف مثل الغزال المفزوع على باب المقهى، أخذتني ” كريستال” إلى منضدة صغيرة وقدمت لي القهوة والحلويات اللذيذة. وفي عينيها كان يوجد تفهم للصدمة التي كنت أشعر بها. لقد شعرت بالارتياح، لم أعد غير مرتاح إلى الاختلافات الظاهرية بيننا، وأصبحت مدركاً أنها رأتني وعرفت مدى خوفي وعاملتني بشكل من الطيبة الودودة التي لمست قلبي. ثم قدمتني إلى ” كستر” .
لم أكن لأختار أن يكون ” كستر” مدربي في حياتي الجديدة هذه ولو بعد مليون سنة. فحين رأيته لأول مرة كان يبدو عليه أنه من نوع الأشخاص الذي يمكن لو رأيته أمامي في الشارع أن لعبرت الطريق لتجنبه، فقد كان يرتدى عصابة حول رأسه، ويضع سماعات على أذنيه، وكان ” كستر” ذو الجثة الضخمة والقامة الطويلة والعود الصلب يبدو خطيراً بالنسبة لي. ولكنني تشجعت ونظرت إليه حين أتى إلى المنضدة ورأيته بعينين جديدتين، وحين ابتسم لي، عرفت أن ” كستر” ، مثله مثل ” كريستال” وشركائي الجدد الباقين، سوف يعاملني مثلما يعامل كل شخص آخر. وعلى الرغم من حقيقة اختلافي عنهم، فقد عاملوني بالتفهم والرأفة اللذين كنت في حاجة إليهما، ليس لأنني كنت مختلفاً عنهم، ولكن –وهو الأهم- لأنني كنت ببساطة روحا أخرى مكافحة. وحين كنت أسقط قدحاً من القهوة الساخنة أو أرتكب أي خطأ آخر، كان ” كستر” يقول لي: ” الجميع يفعلون ذلك” (لقد عرفت لاحقاً أن معظم الشركاء الجدد -على العكس مني- لا يرتكبون هذه الأخطاء الحمقاء). لقد وثق ” كستر” بي دون أن يحكم عليَّ بشكل نقدي نظراً لتقدمي في السن وافتقاري الواضح لمعرفة معظم الحقائق الرئيسية لحياة الشارع. وبالنسبة لي، لم يعد كل شريك بالنسبة لي ممثلاً لطبقة معينة أو ” مجموعة مستهدفة” -وهي الطريقة التي اعتدنا النظر إلي الأشخاص بها في مجال الدعاية والإعلان –بل شخص حقيقي. إن جميع شركائي في المقهى يرتدون المئزر الأخضر، وجميعنا نشترك في نفس المهام خلال كل وردية، إلا أن كلا منا فرد متفرد بذاته، ولكل منا حياته وقصصه الشخصية. فعلى سبيل المثال. هناك ” يامي” من باناما، وزوجها يعمل سائق تاكسي. وفي العام الماضي، حملت ” يامي” وأنجبت طفلة صغيرة جميلة.
أما ” جيم” ، فإن حبه الحقيقي هو حياته كعازف، وهو يأتي إلى العمل ناعساً بعد أن يكون قد قضى ليلة طويلة مع فرقته، ولكن حركته أسرع من أي شخص آخر في المقهى. إن التناسق بين عينيه ويده في إعداد المشروبات لا يضاهي، وربما أن ذلك يعود إلى قرعه للطبول. أما عن ” كريس” ، فحين يكون علي أن أذهب لفتح المقهى معه، علي أن أحرص على الوصول إلى المقهى قبل الخامسة صباحاً بدقائق –فهو دائماً ما يصل مبكراً. أما ” آيا” فهي دقيقة في إخراج فطائر طازجة. و” آيا” سوف تتركنا للعمل في فرع ستاربكس آخر في المدينة في موقع يسهل عليها الوصول إلى شقتها وفصولها الدراسية. و” ماجدلينا” ، التي عادت للتو من زيارة لعائلتها في بولندا، تعمل جاهدة لتوازن بين وردياتها في ستاربكس وفروضها المدرسية الشاقة. أما ” لأني” فهي أم مطلقة زاد وزنها أربعون رطلاً فقدتها مرة أخرى بعد ميلاد ابنها الجميل. أما ” كارميلا” فهي من قرية صغيرة في إيطاليا، وقد عمل ابناها أيضاً في ستاربكس أثناء دراستهما في المدرسة الثانوية. وبالنسبة ل” مات” فهو شخص اجتماعي مخلص لبناته الصغيرات وهو قادر على التواصل مع كل زبون يدخل المقهى. ” جوناثان” هو أحد أطول الشركاء في المحل، فطوله حوالي ست أقدام وبوصتين. وهو يضفي حضوراً إيجابياً على كل وردية يعمل فيها. أما ” جوردان” فهو ليس بذات الضخامة ولكنه يتفانى في كل مهمة تساعدني على أن أتذكر الحفاظ على تركيزي.
وبالنسبة ل” راشيل” ، فإن لها ابتسامة تذكرني دائماً بألا أكون متوتراً! بينما” مارجريت” تتمتع بالقدرة على إدارة الصعوبات المالية، وهى تقدم لي النصيحة المناسبة كل أسبوع. أما ” تاشا” ، وهي مديرة الفرع الذي أعمل فيه، فإن لها أسلوباً مريحاً -حتى عندما أذهب إليها طالباً المساعدة في جدول الأعمال الخاص بي بينما تكون هي وسط مواقف أخرى أكثر إثارة للتوتر. وهي تظهر شعوراً بالثقة في كل شيء سيصبح على ما يرام -مما يجعلني وشركائي نشعر بالثقة كذلك. أما ” مارتن” فهو شريك لنا، وقد أصبح الآن مدير منطقة. وقبل أن يصبح مدير منطقة، كان مدير فرع برونكسفيل الذي أعمل فيه، وقد ساعدني على الانتقال من المدينة. وبالعمل مع مارتن” ، أصبحت أهتدي بولعه بالتأكد من أن المحل يبرق بشتى الطرق، يبرق بتنظيف كل ركن من أركان المحل وبابتسامته الواسعة وترحابه الودود لكل زبون يدلف إلى المقهى. وكما هي حال شركائي, فإن كل زبائننا الدائمين منفردون أيضاً. ف” بيلي” ، الذي يقود سيارة أجرة في المدينة (وذلك بعد عمله كلاعب جولف شبه محترف وموظف تنفيذي كبير في عالم الرياضة)، يكون أول من يدلف إلي المقهى حين نفتح أبوابنا في الخامسة والنصف صباحا.
و” بيلي” يتمتع بحس فكاهي قوى؛ وهو يقدم كل يوم لنا نصيحة عظيمة لبدء يومنا. أما ” فينست” فهو أكثر زبائننا أناقة، وهو يأتي السادسة والنصف، ودائماً ما يأخذ ” فينى” لنفسه مشروب الفينتي لاتيه بينما يأخذ الفيني كوفي لزوجته. بينما يأتي ” فرانك” في السادسة والنصف أيضاً مرتديا ملابس نومه ليأخذ مشروب الكواد لاتيه منزوع الدسم الأول له في اليوم, ثم يأتي مرة أخرى وقت لاحق من اليوم ليأخذ مشروب اللاتيه الثاني -” ولكنه يكون مرتدياً ملابس أنيقة هذه المرة -قبل أن يذهب إلى نيويورك أو يسافر إلى أمستردام ليتابع عمله كثير الأعباء في مجال الأنسجة. أما ” ليزا” فهي تعمل لساعات طويلة في إحدى شركات شارع وول ستريت إلا أنها لا تنسى أبدا تناول مشروب فينتي كوفي – المركز- لتبدأ يومها ” أليكس” أيضاً ليس لديها وقت فراغ كبير، فهي طريقها إلى إذاعة الأخبار من أحد الإستديوهات في المدينة. أما ” كريستينا” فهي في طريقها أيضاً إلى الخدمة في أحد المستشفيات في المدينة. أما ” أليس فهي طبيبة وهى تذهب كل يوم إلى مانهاتن وذلك بعد أن تتوقف لدينا لفترة وجيزة جدا.(هذا على الرغم من أن هناك مقهى ستاربكس في الدور الأول من المستشفى الذي تعمل فيه!). نأتي ل” نانسي” التي كانت تعمل ممثلة ولكنها الآن أم من أمهات برونكسفيل متفانية في التأكد من أن أطفالها يحصلون على أفضل تعليم في المدرسة المحلية الحكومية، وهي واحدة من بين مجموعة من الأمهات اللاتي يأتين إلى المقهى بعد توصيل أطفالهن إلى المدرسة؛ ودائماً ما يشتركن في منضدة واحدة، ترتفع منها أصوات الضحكات. أما ” كوني” فهي من مواليد اليونان، وهي تأتي إلى المقهى بعد العمل في صالة الألعاب المحلية وتعلو وجهها ابتسامة مميزة للحصول على” مكافأتها” ألا وهي مشروب لاتيه خالي الدسم كبير الحجم. أما ” لو” فيأخذ كوباً كبيراً من القهوة بالثلج، حيث توضع بضعة مكعبات من الثلج على القهوة لتبردها، وأنا الوحيد المتقدم في السن بشكل كاف لتذكر هذا التعبير من أيام شبابي. في بعض الأحيان بعد الانتهاء من ورديتي أجلس مع ” لو” وأشاركه بعضاً من ذكريات مصاحبة ” فرانك سيناترا” و” توتس شور” في أيام مجد مقاهي نيويورك.
أحد زبائننا المفضلين عاشق لشرب الشاي: إنه ” مايك دافئ” الذي يأخذ كوب شاي كبيراً يرتشف منه على مدار اليوم. إنه رجل طيب يشعر بالسلام مع نفسه ومع العالم إلى درجة أنه يشيع في المقهى كله شعوراً بالسكينة. أما ” بلايز” فلم يكن يعمل حين التقيت به في المرة الأولى منذ عامين، ولكنه حصل على وظيفة مدرس في أحد أكثر مدارس نيويورك تحدياً، وهو يحب هذه الوظيفة. و” ماريا” أيضاً مدرسة مخلصة لعملها، وهي تأتي كل يوم مبكراً لتناول القهوة لتبدأ يومها المليء بالمشاغل. وهي لا تكون أبداً في عجلة من أمرها لدرجة تمنعها من أن تنادي كل شريك في المقهى باسمه وأن تتمنى لكل منا صباحاً سعيداً قائلة: ” طاب صباحكم!” . حين فتحت عيني حقاً، استطعت أن أرى ذلك الجانب المضيء الفريد للروح التي خلقها الله في كل فرد التقيت به. لقد كانت كل روح مختلفة عن روحي وعن غيرها من الأرواح الأخرى. عندما خلعت العصابة عن عيني، تكشفت لي مجموعة مختلفة من الأشخاص.
 واليوم، أدرك أن كل شخص ألتقي به لديه القدرة على الارتقاء بحياتي. التنوع هو توابل الحياة ! إن هناك حقيقة أساسية في مقولة: ” التنوع هو توابل الحياة” . حين نفتح أعيننا حقاً، سنرى أن هذا الكون المنوع هو بهجة حقيقية. في شهر أكتوبر من هذا العام، كنت أشعر بالدهشة من جمال كل ورقة شجر تسقط من السماء أو تصدر حفيفاً عند موطئ قدمي وأنا سائر. لقد انتهيت الآن إلى الإيمان بأننا جميعاً قد خُلقنا لنحيا حيوات مختلفة، فلا ينبغي على أحد أن يحيا أو يبدو مثلي أو مثل أي شخص آخر. إن كل فرد يعكس رؤيته وروحه الخاصتين في الحياة. إنني اليوم أتواصل بصرياً مع كل شخص أراه بسعادة وامتنان. لقد كانت البصيرة المفتوحة هبة عظيمة بالنسبة لي!

أضف تعليق

كود امني

تجربة رمز تحقق جديد